الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بوحدانيته ناس وكفر ناس ولم يشكروا نعمه إذ خلقهم في أحسن صورة وتحذيرهم من إنكار رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وإنذارهم على ذلك ليعتبروا بما حلّ بالأمم الذين كذبوا رسلهم وجحدوا بيناتهم تكبرا أن يهتدوا بإرشاد بشر مثلهم . والإعلام بأن اللّه عليم بالظاهر والخفي في السماوات والأرض فلا يجري أمر في العالم إلا على ما اقتضته حكمته . وأنحى عليهم إنكار البعث وبيّن لهم عدم استحالته وهدّدهم بأنهم يلقون حين يبعثون جزاء أعمالهم فإن أرادوا النجاة فليؤمنوا باللّه وحده وليصدقوا رسوله صلى اللّه عليه وسلّم والكتاب الذي جاء به ويؤمنوا بالبعث فإنهم إن آمنوا كفرت عنهم سيئاتهم وإلا فجزاؤهم النار خالدين فيها . ثم تثبيت المؤمنين على ما يلاقونه من ضر أهل الكفر بهم فليتوكلوا على اللّه في أمورهم . وتحذير المؤمنين من بعض قرابتهم الذين تغلغل الإشراك في نفوسهم تحذيرا من أن يثبّطوهم عن الإيمان والهجرة . وعرّض لهم بالصّبر على أموالهم التي صادرها المشركون . وأمرهم بإنفاق المال في وجوه الخير التي يرضون بها ربهم وبتقوى اللّه والسمع له والطاعة . [ 1 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) لما كان جلّ ما اشتملت عليه هذه السورة إبطال إشراك المشركين وزجرهم عن دين الإشراك بأسره وعن تفاريعه التي أعظمها إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وتكذيب القرآن وتلك أصول ضلالهم ابتدئت السورة بالإعلان بضلالهم وكفرانهم المنعم عليهم ، فإن ما في السماوات والأرض يسبح للّه تعالى عن النقائص : إما بلسان المقال مثل الملائكة والمؤمنين أو بلسان الحال مثل عبادة المطيعين من المخلوقات المدركة كالملائكة والمؤمنين ، وإما بلسان الحال مثل دلالة حال الاحتياج إلى الإيجاد والإمداد كحاجة